السيدة الرئيس،
تمثل الجرائم ضد الإنسانية انتهاكا جسيما للقيم والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي، ويتطلب التصدي لها عملا جادا من المجتمع الدولي ككل لمنع وقوعها وضمان المساءلة عن ارتكابها.
ومن هذا المنطلق، تؤكد دولة الإمارات أن منع الجرائم ضد الإنسانية يجب أن يشكل حجر الزاوية في الاتفاقية المرتقبة، من خلال إرساء التزامات قانونية واضحة وفعالة تكفل الامتناع عن ارتكاب هذه الجرائم، واتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع وقوعها، وضمان التحقيق فيها ومساءلة مرتكبيها ومعاقبتهم، بما يسهم في مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز سيادة القانون.
كما تؤكد بلادي وجوب التقيد بهذه الالتزامات في جميع الظروف، إذ لا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية، سواء تعلق الأمر بنزاع مسلح أو بعدم استقرار سياسي داخلي أو بأي حالة طوارئ عامة أخرى، لتبرير ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية.
ولترجمة هذه الالتزامات إلى تدابير عملية وفعالة، ينبغي أن تتضمن الاتفاقية إطاراً واضحاً وقابلاً للتنفيذ، يشمل التدابير التشريعية والإدارية والقضائية وغيرها من التدابير المناسبة وطنياً، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي الفعال.
السيدة الرئيس،
وفي هذا السياق، تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية مواصلة المناقشات بشأن مؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني بمنع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والمعاقبة عليها خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، بما يتيح البناء على التقدم المحرز والتهيئة لمفاوضات بنّاءة. وتواصل بلادي مشاركتها الفاعلة وإسهامها البناء في هذا المسار.
كما يرحب وفد بلادي بالتقدم المحرز خلال الدورة الأولى للجنة التحضيرية، التي عُقدت في يناير من هذا العام، ويشير إلى المقترحات التي قدمتها دولة الإمارات لتعديل مشاريع المواد.
كما نعرب عن تقديرنا للجنة القانون الدولي على جهودها في إعداد هذه المشاريع، التي تشكل، مع مقترحات التعديل المقدمة من الحكومات، النص المجمع الذي سيُتخذ أساساً للمفاوضات.
في هذا السياق، تتطلع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى انعقاد الدورة الثانية للجنة التحضيرية، باعتبارها فرصة مهمة للمضي قدماً بالمناقشات وتيسير مفاوضات بنّاءة وشاملة تهدف إلى تحقيق التوافق في الآراء.
السيدة الرئيس،
في التحضير للمراحل المقبلة، ترى دولة الإمارات أن الغاية لا تقتصر على إنجاز نص اتفاقية، بل تتمثل في إرساء إطار قانوني فعّال يحظى بقبول واسع، ويهيئ لانضمام أكبر عدد ممكن من الدول، بما يعزز طابعها العالمي. فنجاح هذا المسار يُقاس باتساع الانضمام إلى الاتفاقية وفعالية تنفيذ التزاماتها، وما يترتب على ذلك من أثر ملموس في منع هذه الجرائم والمعاقبة عليها.
ومن هذا المنطلق، تؤكد بلادي أهمية الحوار البنّاء واتباع نهج قائم على توافق الآراء، يراعي تنوع النظم القانونية الوطنية ووجهات النظر بين الدول. فالمضي قدماً دون العمل على معالجة الشواغل الجوهرية وبناء التوافق قد يحدّ من فرص الانضمام الواسع إلى الاتفاقية ومن فعاليتها. وينبغي أن تشكل الاتفاقية أساساً للعمل المشترك، وأن تجمع الدول حول التزامات واضحة قابلة للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، تولي دولة الإمارات أهمية خاصة لدقة الصياغة القانونية ووضوح الالتزامات، بما يمكّن الدول من تحديد نطاقها وتنفيذها على نحو فعّال، ويحدّ من تباين تفسيرها. وقد استرشدت بلادي بهذه الاعتبارات في أعمال اللجنة التحضيرية وفي مقترحاتها بشأن مشاريع المواد.
السيدة الرئيس،
تؤكد دولة الإمارات كذلك أهمية أن تتناول الاتفاقية المرتقبة حقوق الضحايا ومصالحهم على النحو الملائم. وفي هذا الصدد، تؤيد بلادي ضمان إمكانية لجوء الأشخاص الذين يدّعون أنهم ضحايا لجرائم مرتكبة ضد الإنسانية إلى السلطات الوطنية المختصة، فضلاً عن إتاحة سبل مناسبة لجبر الضرر. كما ترى ضرورة أن تتسم الأحكام ذات الصلة بالوضوح القانوني الكافي فيما يتعلق بنطاقها وآليات تنفيذها، مع مراعاة اختلاف النظم القانونية الوطنية.
كما تؤكد بلادي أهمية أن تيسّر الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية المرتقبة تسوية المنازعات المتعلقة بتفسيرها أو تطبيقها بالوسائل السلمية، مع إيلاء الاعتبار الواجب لمبدأ موافقة الدول.
وختاماً، السيدة الرئيس، تدعو دولة الإمارات جميع الوفود إلى معالجة المسائل العالقة بالمرونة وروح التعاون البنّاء، وصولاً إلى اتفاقية تجمع الدول حول التزامات مشتركة، وتُحدث أثراً ملموساً في منع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والمعاقبة عليها.
وشكراً، السيدة الرئيس.